القاضي عبد الجبار الهمذاني
357
المغني في أبواب التوحيد والعدل
من أن يكون حسنا ؛ هذا لو لم يكن التعبد بالتلاوة يتبع في الحسن كونه مفيدا ؛ فأما إذا كان يتبعه بالحسن ، حتى لولا معرفة ما يتضمنه مما يعتبر به التالي على جملة أو تفصيل ، لم يكن يحسن التعبد به ، فالكلام أبين ؛ على أن العلم بأنه ، صلى اللّه عليه ، كان يظهر ويعتقد ، أن القرآن يفيد ، وأن له معاني ، مما يحصل باضطرار ، فمن صدق بالرسول ، ودفع ذلك يقرب من أن يكون كافرا ؛ ولا خلاف أيضا ، بين المسلمين ، أن القرآن يدل على الحلال والحرام ، والكتاب قد نطق بذلك ؛ لأنه تعالى قال : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ، يُتْلى عَلَيْهِمْ ؛ وقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ؛ وقال : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ؛ وقال : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً ؛ وقال : هُدىً لِلنَّاسِ ، إلى غير ذلك مما بين به أنه يفيد ؛ فكيف يصح مع ذلك ما قالوه ! ! . . وبيّن شيوخنا : أنه لو لم يكن له معنى كان لا يكون معجزا ؛ لأنّ إعجازه هو بما يحصل له من المزية والرتبة ، في قدر الفصاحة ؛ ولا يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه ، وموقعه ، واستقامته ؛ كما لا يكون فصيحا إلا بجزالة لفظه ؛ ولو أن واحدا من المتكلمين ألف من الكلام المهمل جملة ، وتكلم بها ، من غير مواضعة لم يعدّ من الكلام الفصيح ، كما لو كان في معناه ركاكة ، لم يعدّ منه ، وكما لو رك لفظه لم يعدّ في ذلك ؛ فكيف يصح لمن أقرّ بأنه معجز أن يزعم أنه لا معنى له ! وأنه لا فائدة فيه ! . . ولما قدّمناه كان الصحيح عندنا : أنه تعالى لا يجوز أن يخاطب الملائكة بالقرآن ، قبل إنزاله على الرسول ، صلى اللّه عليه ، إلا وهم يعرفون معناه ، ولهم فيه مصلحة ؛ ولم يجز أن تكون الفائدة في تقديمه تكليفهم بحمل ذلك فقط . . وليس لأحد أن يقول : إذا جاز من الواحد